السعيد شنوقة

180

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

هو موضوع هذا العدل وكيف يخضع الإنسان له وهو يقدر على أفعاله ، وذلك من أجل أن يضعوا التكليف والغرض منه في سياقه الصحيح . لقد ركزوا مباحثهم في إبراز الأفعال واقعة تحت الأوامر والنواهي أي في إطار التكليف الذي يمثل العلة في خلق العالم بما فيه من كائنات ، وجاء تميّز الإنسان فيه عن غيره من الكائنات لكونه فاعلا في الحقيقة بقصد تكليفه ، وما الإنسان في العالم الذي يبهر العقول بسعته ملايير من السنوات الشمسية وملايير من الأكوان إن لم يكن الغرض منه تكليفه ؟ ولكن ألم يتفق علماء الأمة أنّ اللّام في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذاريات : 56 ] هي لام الصيرورة لا لام التعليل ؟ ومن ثم ألم يقل الزمخشري في الآية : « إلا لأجل العبادة ولم أرد من جميعهم إلا إياها ( . . . ) مختارين للعبادة لا مضطرين إليها لأنه خلقهم ممكنين » « 1 » . وذهب بعضهم إلى أن اللام هي لام كي ولام التعليل التي إذا حذفت انتصب المصدر بها على المفعول له ، وتسمى العلة الغائبة وهي متقدمة في العلم والإرادة متأخرة في الوجود والحصول ، وهذه العلة هي المطلوب المقصود من الفعل ، على أن يدرك أن الإرادة في كتاب الله تعالى نوعان : كونية يقال فيها « ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن » ، ودينية هي شرعية وهي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم « 2 » ، ويقتضي ذلك إثبات العلة والغرضية في أفعال الله تعالى أو بمعنى آخر إقرار أن العلة من الخلق إن هو إلا العدل الإلهي الذي يتطلب أن تكون كل أفعاله حسنة لأنه سبحانه لا يختار القبيح ولا يأتي عملا عبثيا ، فهو إذا خلقنا وأحيانا وأقدرنا وأكمل عقولنا وخلق فينا شهوة القبيح والنفرة من الحسن ، فلا بد من أن يكون له فيه غرض ، وغرضه إما أن يكون إغراء له بالقبيح ولا يجوز أن يكون غرض التكليف الإغراء بالقبيح لقبحه . وقد ثبت نفي القبح عن الله سبحانه ، فلم يبق إلا أن يكون غرضه التكليف ويعرضنا لدرجة لا تنال إلا به وهي الثواب « 3 » .

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 4 ، ص 21 ، وقيل : للأمر بالعبادة ، وقيل : إلا ليعبدون أي ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها ، والكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة ، وقال مجاهد : إلا ليعرفوني . وقال الكلبي : إلا ليوحدوني ، انظر تفسير القرطبي ، ج 17 ، ص 55 وما بعدها . ( 2 ) انظر ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم الحراني أبو العباس ( ت 728 ه ) ، دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية ، ج 2 ، ص 528 . ( 3 ) انظر الخياط ، الانتصار ، ص ، 85 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 179 - 183 ، -